الأحد، 10 أكتوبر 2010

عظم قدر النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي تقدم نبوته على الأنبياء ..الشيخ عطية سالم



لقد ذهب بعض المختصين في البحث عن ذلك إلى أول نقطة وجوده صلى الله عليه وسلم، وفي نظري أن وجوده صلى الله عليه وسلم يرجع إلى أمرين: وجود قدري في عالم الملكوت، ووجود في عالم الإنسان.
أما وجوده القدري: فقد ذهب البعض فيه إلى مسافات بعيدة، إلى ما قبل آدم عليه السلام؛ لأن بعد تلك المسافة لم تكن طريقها ممهدة فأجهدتهم، كما أن سلطان العاطفة قد دفعهم إلى أخذ كل ما وجدوه مما فيه تعظيم لقدره صلى الله عليه وسلم.
وهنا مبحث تعارض العقل مع العاطفة، ولكل منهما مقامه، فمن ذلك على سبيل المثال: لما كانوا في غزوة تبوك، وقاموا يتهيئون لصلاة الصبح، وذهب صلى الله عليه وسلم للخلاء فأبعد وتأخر عليهم، فانتظروه ليصلي بهم حتى أسفروا، فتحيروا هل يصلون قبل خروج الوقت، أم ينتظرون قدومه؟ والعاطفة مع الانتظار ليصلي بهم، والعقل مع الإسراع وإدراك الوقت، فقدموا العقل وصلى بهم ابن عوف رضي الله تعالى عنه، وجاء صلى الله عليه وسلم وهم في الركعة الثانية، فأراد المغيرة أن ينبه الإمام ليتأخر ويتقدم صلى الله عليه وسلم للإمامة، فمنعه النبي ودخل في الصف، ولما سلم الإمام قام صلى الله عليه وسلم فأتم الركعة التي فاتت، ولما رآهم أسفوا لذلك قال: ( ما قبض الله روح نبي إلا وقد صلى خلف أحد من أمته ) أي: أنهم أصبحوا أهلاً للإمامة.
وكذلك موقف الصديق لما قال صلى الله عليه وسلم في مرضه: ( مروا أبا بكر فليصل بالناس )، ولما أقيمت الصلاة وجد صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج فنبهوا أبا بكر ، فأخذ يتراجع، فأومأ إليه صلى الله عليه وسلم أن مكانك، وكان أبو بكر بين العاطفة والعقل، فالعاطفة: ألا يتقدم على رسول الله، والعقل: أن يمتثل أمره ويبقى مكانه، لكنه قدم العاطفة فتأخر وصلى بهم رسول الله، ولما فرغ قال له: ( ما الذي منعك أن تبقى إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله ).
وفي كل من تقدم ابن عوف وتأخر أبي بكر وجهته، وقد أقر صلى الله عليه وسلم كلاً منهما على فعله، وهكذا لكل مقام مقال.
وجميع كتّاب السيرة قد ذهبوا في بدايته وبداية وجوده القدري إلى ما قبل وجوده الفعلي، إلا أن منهم من أبعد الغاية وطوّل الطريق، فنقلوا آثاراً تنتهي إلى ما قبل آدم وربما إلى ما قبل خلق السماوات والأرض، وحصروا أولية الوجود في ثلاثة: العقل، والقلم، ونور محمد صلى الله عليه وسلم، وأن اسمه مكتوب على ساق العرش وعلى ورق الجنة وثمارها.
ومنهم من وقف عند خلق آدم، وهو بين الروح والجسد، أو وهو مجندل في طينته، وأثبت له النبوة هناك وقالوا: لقد أخذ نوره يتنقل في أصلاب آبائه حتى درج للوجود الفعلي مستأنسين بقوله: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [الشعراء:217-219]، ذهبوا إلى أن (تقلبه) أي: تقلب نوره في أصلاب آبائه من النبيين قبله، ولكن تعقبهم النقّاد وقالوا: إن أباه إبراهيم لم يكن أبوه آزر من النبيين ولا حتى من المؤمنين، ونحن نقول: إن أباه صلى الله عليه وسلم عبد الله لم يكن من النبيين، بل كان من أهل الفترة على التحقيق.
وقد ذكر السيوطي رحمه الله في كتابه الخصائص الذي قال عنه في مقدمته: كتاب فاق الكتب في نوعه جمعاً وإتقاناً، يشرح صدور المهتدين إيقاناً، ويزداد به الذين آمنوا إيماناً إلى قوله: مستوعباً لما تناقله أئمة الحديث بأسانيدها المعتبرة إلى أن قال: أوردت فيه كل ما ورد، ونزهته عن الأخبار الموضوعة وما يرد، وتتبعت الطرق والشواهد لما ضعف من حيث السند.
انتهى، وتعقبه الشيخ الهراس رحمه الله: بأنه لم يلتزم كل ذلك، وقال في هذا الكتاب -أي: السيوطي - باب خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بكونه أول النبيين في الخلق، وتقدم نبوته وأخذ الميثاق عليه، وساق تحت هذا العنوان ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، و أبو نعيم في الدلائل من طرق عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } [الأحزاب:7] الآية.
قال: ( كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ) فبدأ به قبلهم.
ونقل السيوطي أيضاً: أن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين سئل: كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: لما { أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف:172] كان محمد أول من قال: (بلى).
ومن ذلك ما عزاه لـ أحمد و البخاري في تاريخه وغيرهما عن ميسرة قال: قلت: ( يا رسول الله! متى كتبت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد ).
وكذلك ما عزاه لـ أحمد و الحاكم و البيهقي عن العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته ).
وساق أيضاً: أن أعرابياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( أي شيء كان أول نبوتك؟ قال: أخذ الله مني الميثاق لما أخذ من النبيين ميثاقهم، ودعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام ) انتهى.
وهذه كلها بدون شك آثار وأخبار تدل على علو شأنه وعظيم قدره، إلا أن بعضها لم يسلم من النقّاد في التفتيش عن السند، وهذا صاحب (سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد) قال: هذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب إلى أن قال: ولم أذكر فيه شيئاً من الأحاديث الموضوعة إلخ.
قال فيه: الباب الأول في تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم لكونه أول الأنبياء خلقاً، ذكر في هذا الباب أثر ابن أبي حاتم الذي ذكره السيوطي : ( كنت أول الأنبياء خلقاً ) .
وذكر المحشي عليه عدد من خرّجه: ابن عدي و أبو نعيم و ابن كثير في التاريخ و الثعالبي إلى آخره.
ثم قال: وروى أبو سعد النيسابوري في الشرف و ابن الجوزي في الوفاء عن كعب الأحبار قال: لما أراد الله سبحانه أن يخلق محمداً صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيق الأعلى، فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف وهي بيضاء نيرة وعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة بين العرش والكرسي والسماوات والأرض، فعرفت الملائكة محمداً قبل أن تعرف آدم أبا البشر، ثم كان نور محمد يرى في غرة جبهة آدم، وقيل له: يا آدم! هذا سيد ولدك من المرسلين إلى قوله: ثم لم يزل النور يتنقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد صلى الله عليه وسلم.
وأقول: هذا من الإسرائيليات التي تنقل في غير تشريع.

الخميس، 7 أكتوبر 2010

عن مقاومة الغزو العثماني - صلاح حميدة


لم يكن غريباً ولا مستهجناً ما ذكر مؤخراً عن تغيير المناهج في قطر عربي، ليتحدّث درس التاريخ عن غزو ورغبة عثمانية قديمة في احتلال وتوسيع ممتلكات السلطان العثماني على حساب قلب العالم العربي. وفسّر هذا تلقائياً بأنّه محاولة متأخّرة - وربّما محاولة يائسة- من قبل من يحكمون هذا القطر العربي للتّصدي لما يصطلح عليه حالياً ( تأثير العثمانيين الجدد) على الشّارع العربي.

قديماً كان يطلق على المحاربيين ( غزاة) وقيل أحاديث نبوية شريفة عن تجهيز الغزاة : - " من جهّز غازياً فقد غزا"، ولكن بالرّغم من أنّ مصطلح (غزو) كان يطلق على النّوع الحميد من القتال والتّحرّك العسكري لغوياً ودينياً، إلّا أنّ ذلك لم يمنع المؤرّخين العرب والمسلمين من استخدام مصطلح (الفتح) والفاتحين على المقاتلين والعمل الذي قاموا به في تلك الحقبة الزّمنية، في محاولة واضحة منهم لخلق فارق بين صورتين من الغزو، واحدة حميدة وواحدة غير ذلك.

ولذلك كان يطلق على السّيطرة العثمانية ( الفتح العثماني) على ذلك القطر وغيره من الأقطار العربية والاسلامية وغير الإسلامي منها أيضاً، فقد شكّلت سيطرة العثمانيين على القطر المصري تأريخاً لنهاية الفترة المتأخّرة لحكم المماليك، والّذي كان عبارة عن فترة تراجع فيها أداؤهم في الحكم لدرجة ضجّ منهم النّاس وكرهوهم، وبالرغم من أنّ الفترات الأولى لحكم المماليك كانت زاخرة بالبطولات التي دافع فيها المماليك بشجاعة عن أراضي المسلمين ومقدّساتهم، ودحروا المغول والفرنجة في نفس الوقت، إلا أنّ ما جرى بعد ذلك من تراجع في نهاية حقبة المماليك، جعل ما قام به العثمانيون القدماء فتحاً بنظر الكثير من العرب والمسلمين والمؤرّخين، ولم يشكل إدخال الأقطار العربية لحقبة جديدة عثمانية الطّراز عملاً مستهجناً، خاصّةً أنّ القضيّة العرقية لم تكن تلعب دوراً كبيراً في درجة المقبولية العربية والاسلامية لمن يحكمهم، إذا كان الحاكم الجديد يقوم بالدّفاع عنهم وتوفير حياة كريمة لعامّة النّاس، ويؤدّي الدّور المطلوب منه دينياً، مع العلم أنّ المماليك أيضاً لم يكونوا عرباً، وكانوا عبارة عن خليط من الأعراق غير العربية، فالقبول بحكمهم أو تمجيد التّخلّص منه - فيما بعد - لم يكن على أساس العرق بل على أساس أداء الدّور المطلوب دينياً وسياسياً.

بعد تفكك الدولة العثمانية وتمزّق العالم العربي إلى دويلات نشط عدد من القطريين العرب في تسليط الضّوء على مساوىء الحقبة الأخيرة للدولة العثمانية، وتم تعزيز تلك الصّورة المسيئة بالدراما والمؤلفات والخطاب السياسي أيضاً، إلا أنّ كل هذا الجهد لم ينجح في خلق رأي عام معادي لتلك الحقبة، وهذا يعود بشكل رئيس إلى أنّ الدّولة القطرية العربية لم تكن أفضل حالاً من تلك العثمانية المتأخّرة، بل يعتبر الكثير من العامّة والمؤرّخين أنّ أداء العثمانيين في تلك الحقبة الزّمنية في التّعاطي مع التّحدّيات التي كانت تواجه الأمّة أفضل بكثير من أداء النّظام القطري العربي، وخاصّةً فيما يخصّ الدّفاع عن فلسطين والوحدة الجغرافية والسياسية وحريّة الحركة بين الأقطار، والحفاظ على كرامة الأمّة في وجه الغزاة وغير ذلك.

عودة ( العثمانيين الجدد) للسّاحة الدّولية والاقليمية أعادت الجدل حول العثمانيين للواجهة من جديد، فبعد غياب طويل عاد العثمانيون الجدد ليلعبوا دوراً محورياً في صنع السياسة الاقليمية والدّولية، وبدا لكل متابع أنّهم أصبحوا طرفاً فاعلاً في الكثير من الملفّات، وخاصّةً الملفين الفلسطيني والسوري وملفّات أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية ودبلوماسية واعلامية وغيرها.

هذه العودة القوية للعثمانيين الجدد أحيت مشاعر قديمة دافئة لدى شعوب المنطقة، وباتت تركيا العثمانيين الجدد القبلة المحببة لدى القطاعات الشعبية والاعلامية والنقابية وبعض الرسمية والاقتصادية العربية، وباتت الدراما التركية تصنّف بأنّها الأكثر مشاهدةً ومتابعةً في العالم العربي، كما زاد الاهتمام بالأخبار الواردة من هناك، إضافةً لتحول تركيا لوجهة سياحية وتعليمية واستثمارية وعلاجية وفكرية للكثير من العرب والمسلمين، فشعوب المنطقة تعيش أسوأ أزماتها بوصول النّظام الرسمي القطري إلى حالة من العجز والتّفكك والفساد والتّبعية ربّما تكون أسوأ من تلك الحقبة التي كانت تعيشها مصر عشيّة الفتح العثماني.

لم يكن غريباً أن يقابل النّموذج العثماني الجديد بالعداء والصّدود من قبل ( المماليك الجدد) فالمنطقة العربية تعيش أزمات مستفحلة يكاد لا يوجد فيها بصيص من النّور يوحي بأنّ لها نهاية، فالقبضة البوليسية القمعية هي التي تعمل يدها في جسد الشعوب العربية، وتعيش هذه الشعوب تحت تسلط وتراجع وفساد ودكتاتورية وردّة سياسية من الجمهوريات المنقلبة على الملكيات العربية، وخروجها بأنظمة مهشّمة مشوّهة أطلق عليها بعض المحللين لقب ( الجمهوريات الملكية) وفي الوقت الذي وصلت فيها أحوال البلاد والعباد لوضع بالغ السّوء، ودرجة ما قبل اليأس والاستسلام، ظهر ( العثمانيون الجدد). ولذلك بدأ الصّدود والعداء لهم والّذي يسير بطريقة تصاعدية مع كل إنجاز يحقّقونه.

تعتبر الجذور الاسلامية الحضارية والتاريخية للعثمانيين الجدد من أوائل الأسباب التي وضعت أوّل الحواجز بينهم وبين المماليك الجدد، فالصّفة التي يحملونها جعلت ( المماليلك الجدد) يتوجّسون منهم خيفة، وباتت مهمة عرقلة جهودهم من أولى أولولياتهم، فالهوية الحضارية الجامعة هي معول الهدم الأول للمشروع القطري التفتيتي الذي ينتج تفتيتاً عرقياً وطائفياً ومناطقياً ودينياً أسوأ كلما طال به الزّمن، والمشروع الحضاري الجامع ذو الخلفية التاريخية الحضارية والصورة والأداء الجاذب حالياً، يثير رعباً في نفوس هؤلاء.

أمّا فيما يتعلق بالتّعامل مع الملف الفلسطيني، فقد استمات العثمانيون القدماء في الدّفاع عن فلسطين، بينما أضاعها القطريون العرب بلمح من البصر، حتى عايرهم المؤرّخون بأنّه ( لو قاتل العرب قتال العثمانيين في الدفاع عن فلسطين، لما سقطت بيد اليهود) وبالتوازي مع قتال القدماء المستميت، يقف العثمانيون الجدد مواقف متقدّمة بالمقارنة مع مواقف القطريين العرب من القضية الفلسطينية وحصار غزة والعدوان على حقوق ومقدّرات الشّعب الفلسطيني، في الوقت الذي لا زالوا تحت وطأة قيود قرن من الزّمان. و أصبحت دولتهم قبلةً لأحرار العالم والرّاغبين بتغيير واقع الاحتلال لفلسطين، بل انزعج هؤلاء ( القطريون مماليك الاستعمار) من التحرّكات العملية التي قام بها العثمانيون الجدد لكسر الحصار عن قطاع غزة، و عملهم الجريء للفت النّظر إلى المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون تحت الاحتلال وتقديمهم الدعم السياسي والخيري والمادّي للفلسطينيين و للرواية الفلسطينية في المحافل الدّولية، و ظهور قدرتهم على التّعاطي مع كافّة أطراف المعادلة الفلسطينية بإيجابية، وبالتالي ظهر العجز الرسمي العربي بقيادة المماليك الجدد عارياً في منتصف النّهار، واختار المماليك الجدد أن يعملوا على كسر المرآة التي أظهرت سوأتهم بدلاً من تغيير واقع عريّهم أمام النّاس وأمام التاريخ، فبدأوا بعملية يائسة لعرقلة وتشويه الانجازات و الخطوات والسياسات الواثقة للعثمانيين الجدد.

أكثر ما يرعب المماليك الجدد من العثمانيين الجدد هو توفيرهم بارقة الأمل ونموذج التغيير والبديل الفاعل، والقدرة على استيعاب كافّة الاختلافات والتناقضات وتصفير الصراعات والتناقضات والأحقاد الداخلية والبينية، إضافةً لإظهارهم أنّ التعايش بين المتناقضات السياسية والتغيير السياسي في العالم الاسلامي ممكن بطرق سلمية وبلا مؤامرات ولا انقلابات ولا مجازر دموية، وأنّه بإمكان من يحملون فكراً حضارياً وينسب إليهم أنّهم ذووا جذور إسلامية وأصحاب هوية حضارية عابرة للحدود تمكّنهم من استيعاب المختلف معهم دينياً وفكرياً وسياسياً، و مكنتهم من تقديم نموذج فشل غلاة العلمانية في تقديمه للعامة والخاصة. كما أنّ هؤلاء أثبتوا للمواطن العادي في الأقطار العربية أنّهم يستطيعون تحقيق إنجازات اقتصادية كبيرة تجلّت في نمو منقطع النّظير لفت أنظار العالم أجمع. كما أظهر هؤلاء قدرتهم على قول ( لا) للقوى الغربية عندما تكون الإرادة الشعبية في دولتهم تطلب منهم ذلك، وظهر ذلك جالياً عند غزو العراق وما بعده، كما ظهرت متانة وديناميكية الجبهة الداخلية -على تنوّعها- في الوقفة الوطنية الجادة ضد اعتداآت الدّولة العبرية على قطاع غزة وأسطول الحريّة.

هذه الصورة التي رسمها العثمانيون الجدد لنموذج فريد من النّظام السياسي المفقود في المنطقة العربية والاسلامية، وتمتّع هذا النّموذج بإرث تاريخي لا زال عالقاً في عقول العامة، وردة الفعل المرحّبة به من قطاعات واسعة ومتنوّعة من العرب والمسلمين، هذا كلّه كان ولا يزال كافياً لحالة الاستنفار التي يعيشها المماليك الجدد خوفاً من ملاقاة مصير أسلافهم المماليك القدماء، فالعثمانيون الجدد قدموا نموذجاً يحتذى قابلا للتحقيق والنّجاح، ولم يعد المواطن العربي مخيّراً بين خيارين الرّئيس وولده) أو خيار الحزب الواحد، بل ظهر خيار ثالث ناجح بالتّجربة من الممكن تقديمه للحكومات وللمعارضة على حد سواء، وبإمكان هؤلاء جميعاً دراسته والإضافة عليه أيضاً.

أخيراً لا يسعني إلا أن أعتذر من المماليك القدماء، فمقارنة النّظام القطري العربي بهم يعدّ ظلماً تاريخياً فادحاً بحقّهم، فهم أهل بأس وجهاد، و أصحاب الفضل الكبير في الحفاظ على أرض المسلمين ومقدّساتهم والدّفاع عنها في وقت كانت الأمّة في أسوأ حالاتها، إضافةً إلى عطائهم وإنجازاتهم في قطاعات عمرانية وعلمية وطبّية كبيرة لا تخطئها العين، وعلى رأس ذلك اهتمامهم الكبير بالقدس وفلسطين وتطهيرهما من الغزاة الفرنجة، وما تمّ من عقد للمقارنة إنّما هو فقط لجرئية نهاية حقبتهم وإنهائها على يد العثمانيين القدماء فقط.
أمّا المماليك الجدد فلا خيار أمامهم إلا بالعمل على تقديم نموذج أفضل من نموذج العثمانيين الجدد حتى يقبلهم ويحبّهم النّاس، فمحاولات عرقلة القدر لن تفيد أصحابها بشيء وسيطحنهم قطار التغيير، وسيصدق فيهم حينها القول :- ( الشّقيّ من اتّعظ بنفسه).

ربوعيات - الحلقة 12


استانف الداعي الى الله الحبيب محمد السقاف برنامجه الاسبوعي ربوعيات 



وهذه الحلقة رقم 12
تحت عنوان حادثة في يوم العيد



متابعة مفيدة باذن الله

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

لماذا خلق الله السماوات والارض - للامام الغزالي رحمه الله


قال حجة الاسلام سيدي الامام الغزالي رحمه الله ونفعنا به وبعلومه:

(( اعلم ان العلم والعبادة جوهران لاجلهما كان كل ما ترى وتسمع من تصنيف المصنفين وتعليم المعلمين ووعظ الواعظين ونظر الناظرين ولاجلهما انزلت الكتب وارسلت الرسل ولاجلهما خلقت السماوات والارض وما فيهما فتامل آيتين من كتاب الله تعالى

احداهما:
قوله تعالى
((( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما )))
وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم ولاسيما علم التوحيد ،
الثانية:
قوله تعالى
(((وما خلقت الجن والنس إلا ليعبدون )))
وكفى بهذه الاية دليل على شرف العبادة ولزوم الاقبال عليها فاعظم بامرين هما المقصود من خلق الله تعالى فحق للعبد الا يشتغل الا بهما والا ينظر الا فيهما واعلم ان ما سواهما من الامور لا خير فيه ولا حاصل له فاذا علمت ذلك فاعلم ان العلم اشرف الجوهرن وافضلهما ومع ذلك فلا بد مع العلم من العمل به والا كان هباءا منثورا فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة والشرف للشجرة اذ هي الاصل لكن الانتفاع انما يحصل بثمرها فإذا لا بد ان يكون لك من الامرين حظ ونصيب بل لابد للعبد من اربعة اشياء العلم والعمل والاخلاص والخوف فيعلم الطرق اولا وغلا فهو اعمى ثم يعمل بعلمه ثانيا والا فهو محجوب ثم يخلص العمل ثالثا والا فهو مغبون ثم لا يزال يخاف ويحذر من الآفات والا فهو مغرور فان الاعمال بخواتيمها وما يدري ما يختم له ))

نقلا عن كتاب الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية